محمد الغزالي

114

خلق المسلم

قالوا : إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ ، وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ . قالَ : يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ . أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ « 1 » . إن شتائم هؤلاء الجهال لم يطش لها حلم هود ، لأن الشقة بعيدة بين رجل اصطفاه اللّه رسولا فهو في الذؤابة من الخير والبر ، وبين قوم سفهوا أنفسهم وتهاووا على عبادة الأحجار يحسبونها - لغبائهم - تضر وتنفع ! كيف يضيق المعلم الكبير بهرف هذه القطعان ؟ وقد أراد رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعلم أصحابه هذا الدرس في الأناة وضبط النفس ، فروي أن أعرابيا جاءه يطلب منه شيئا ، فأعطاه ثم قال له : أحسنت إليك ؟ قال الأعرابي : لا ، ولا أجملت ! فغضب المسلمون وقاموا إليه ، فأشار إليهم أن كفوا . . ثم قام ودخل منزله ، فأرسل إليه وزاده شيئا ، ثم قال له : أحسنت إليك ؟ ؟ قال : نعم ، فجزاك اللّه من أهل وعشيرة خيرا ، فقال له النبي : إنك قلت ما قلت آنفا ، وفي نفس أصحابي من ذلك شيء فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك ، قال : نعم ، فلما كان الغد جاء ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه . فزعم أنه رضي ، أكذلك ؟ قال : نعم فجزاك اللّه من أهل وعشيرة خيرا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثلي ومثل هذا كمثل رجل له ناقة شردت عليه فأتبعها الناس « 2 » فلم يزيدوها إلا نفورا . فناداهم صاحبها ، فقال لهم : خلوا بيني وبين ناقتي . فإني أرفق بها منكم وأعلم . . فتوجه لها بين يديها فأخذ من قمام الأرض ، فردها حتى جاءت واستناخت . وشد عليها رحلها ، واستوى عليها . وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال ، فقتلتموه ، دخل النار » . إن الرسول الحليم لم تأخذه الدهشة لكنود الأعرابي أول الأمر ، وعرف

--> ( 1 ) الأعراف : 66 - 68 . ( 2 ) أي جروا خلفها .